نصر حامد أبو زيد
65
الاتجاه العقلي في التفسير
مقدمتهم لا ثبات الصانع بصفاته من القدرة والعلم والحياة - يعدّ من لطيف الكلام الذي يحتاج لنظر واستدلال ، ومن الصعب اعتباره معرفة ضرورية . أمّا العلوم الضرورية المتصلة بالعدل ، فهي علوم لا يسلم لهم خصومهم ببديهيتها « فأمّا وجوب الأفعال وحظرها وتحريمها على العباد فلا يعرف إلّا من طريق الشرع » 85 واعتبار العقل هو كل هذه العلوم الضرورية لا ثبات التوحيد والعدل ، يعدّ تعريفا يخلط بين المعرفة نفسها وبين مفهوم العقل باعتباره أداة للمعرفة ونشاطا متميزا للوصول إلى المعرفة . ويعدّ هذا التعريف - من جانب آخر - متناقضا مع ما يقرره القاضي من أن « المكلّف يحتاج إليه ( يعني العقل ) ، لأن به يعلم الكثير مما كلّف ، نحو وجوب رد الوديعة وشكر المنعم وقبح الظلم وحسن الاحسان » 86 فكيف تعرف بالعقل هذه الأشياء مع اعتبارها من العلوم الضرورية التي هي العقل في تعريف القاضي ؟ وكيف تكون هذه الأشياء من التكليف الذي يحتاج المكلّف إلى العقل لمعرفتها ، وهي في نفس الوقت من علوم العقل الضرورية ؟ هنا يحسّ الباحث أن القاضي قد خلط بين العقل كوسيلة وأداة للمعرفة ، وبين المعرفة ذاتها التي هي نتيجة ومحصلة لنشاط العقل في ربطه بين المدركات وتحصيل الكليات . ويذهب القاضي إلى اعتبار كل هذه العلوم بديهية وفطرية ومن كمال العقل ، بمعنى أنها علوم لا ينفك عنها العاقل المكلّف ، ولا تؤثر فيها عوامل الزمان والمكان والبيئة « إن العلم بالمدح والذم واستحقاقهم على الأفعال . . . من كمال العقل ، وليس بموقوف على أن ذلك قد وقع ، بل لو خالط الناس ولم يقع من أحد معصية لما وقع الذم ، ولو لم يقع منهم طاعة لما وقع المدح على جهة ، ولم يؤثر ذلك في كون ما ذكرناه من كمال العقل . وكذلك القول فيه لو خلق في أرض فلاة في أنه يحسن أن يكلّف متى كمل عقله وعلم مكان الحمد والذم ، وإن لم يعلم فاعلا لهما » 87 . وعلى هذا فالعقل شرط في التكليف ، رأى الانسان الخير والشر متجسّدين أم لم يرهما . والعقل وحده يستطيع أن يعرف ما يستحق المدح من الأفعال وما يستحق المدح من الأفعال وما يستحق منها الذم ، دون أن يعرف الأفعال نفسها . * * * يعدّ النظر أو الاستدلال هو الوسيلة الأساسية للانتقال من مرحلة العلوم الضرورية التي يتساوى فيها البشر ، إلى مرحلة العلوم النظرية ، أو الاكتسابية ، التي يتفاوت فيها البشر نتيجة تفاوتهم في قدراتهم على النظر والاستدلال . والنظر هو أول مراحل التكليف العقلي . ويتمّ هذا التكليف عن طريق باعث أو داع أو خاطر يسلّطه اللّه على نفس المكلّف « وتلك الأمارة هي تنبيه الداعي والخاطر ، لأنهما